Art التدوينات العربية كان يا مكان - Stories يومياتي - Diary

2- حينما يكون السؤال جوابا: كيف بدأ كل شيء؟

24 سبتمبر، 2017
 "Insomnia" Artwork by Pascal Campion

“Insomnia”
Artwork by Pascal Campion


قررت أن أفرغ كل شيء على الورق، كل الأصوات داخل عقلي والتي لا أفهم معانيها أو الحروف التي تلتصق بجانب بعضها في مخيلتي دون أن أفهمها، وعلى قصاصة ورق صغيرة كتبت: أود أن أضع الذكريات في علبة وأغلق عليها درج المكتب الذي سأبيعه خلال أيام لتنتقل لمكان بعيد جدًا، ولا أضطر للتعامل معها مرة أخرى، كيف يمكن أن تسكت الأسئلة؟، وتستأصل الرغبة بتحليل الأشياء ومحاولة فك شفرات الإنسان التي فشل الجميع في حلها قبلي؟ كيف ننمي القدرة على إيقاف التأمل المبالغ فيه حينما يتجاوز الحد المقبول” بعد التساؤل الأخير لم يتبقى أي مساحة يمكنني أن أضع فيه علامات الاستفهام، وهذا ما يحدث بالضبط، أجزاء مهمة من سياق الحياة لا تجد لها متسعا في عقلي.

لاحقًا في طريقي للعمل، كنت أفكر بوجهتي في رحلة الحياة، لماذا لم أجد طريقي بعد؟ كل المسالك تعود لنقطة البداية، وكأنني لم أبرح مكاني، إحساس غريب بأنني أقف على أرض هشة، كل الجسور مهشمة حولي لا أكاد أنتهي من بناء واحد حتى يسقط من ثقل خطوة واحدة أخطوها عليه، خطر ببالي حينما سألت ذاتي: “إلى أين أتجه؟” أن أعرف  أولًا من أين أتيت؟ كيف بدأ كل شيء؟ نقطة البداية يجب أن أعود إليها وأتمعنها جيّدًا، أحفظ تفاصيلها، حتى لا أبقى أعود إليها بعد كل منعطف خاطئ أسلكه خلال الرحلة.

لسبب لم أكتشفه بعد، أعود لذكرى بعيدة جدًا تعيدني للسابعة من عمري، ويخيّل لي أنها البداية ونقطة التحوّل لكل شيء، المنعطف الذي أضعت به طريق العودة لعالم الواقع، حينها تعرفت على معنى كلمة الأرق كنت أستيقظ كل يوم بعد ساعتي نوم مضطربة، رغم خوفي الكبير من الظلام ومن البعيد المهجور إلا أنني كنت أسير وحيدة في منتصف الليل، أصعد للأعلى أنزل للفناء الخارجي أبقى في حركة مستمرة أسير بجانب الجدار، كأني أقيس حجم غرف المنزل يدي داخل جيب سترتي، وعيني مركزة على أصابع قدمي المطلية بالألوان، كتفي ملتصق بالحائط كلما صادفت كنبة أو طاولة، تحول دون أن يبقى كتفي مستندًا على الحائط أحاول حل المعضلة، هل أسير فوق الكنبة؟ أم أزيحها؟ أو أمر من جانبها؟ تأخذ هذه العملية كل يوم وقتاً ليس بالقليل، حينما أصل لمدخل المنزل أكتشف بأن الليل بأوله، لأن الباب الزجاجي يعكس ظلامًا دامسًا، ألصق وجهي على الزجاج أحاول أن أنظر للسماء من النقطة التي أقف عليها، حتى النجوم ليس لها آثرًا هناك بالأعلى. لأعود أدراجي ثانية بالسير بجانب الجدار كتفي يلتصق به وقدماي تتحرك قدمًا.

في أعلى نقطة في المنزل أمام باب السطح تنتهي رحلتي اليومية، حيث قطعة الكنب القديم لسبب ما تغاضى الجميع عن حملها خارج المنزل وبقيت هناك تحتوي ساعات الأرق التي كنت أعاني منها رغم صغر سنّي، والغريب أنني أستلقي عليها أفكر بكل شيء، بأفكار لا أفهمها في تلك الفترة، تستيقظ كل حواسي ولا تتناوب على الحصول على انتباهي، تستيقظ في نفس الوقت تجذبها أفكار ونقاط مختلفة حولي أبقى مشتتة بينها.

كان من الصعب عليّ منذ صغري أن أُبقي تركزي على شيء واحد أتقلب من حاسة لأخرى أكتب لدقيقتين، أركض لعشر دقائق، أقرأ لعشر دقائق أخرى، أعود لأكتب القصة التي بدأتها قبل عشرين دقيقة، أقطعها لأُفكر في شيء ما، وهذه الطريقة هي الوحيدة التي عرفت بها كيف أفهم الحياة، أو أن أمارسها. مجموعة تصرفات لا تمت لبعضها البعض بأي صلة، مجموعة من الأحداث التي لا أعرف كيف أنتهي من واحدة لأصل للأخرى.

عرفت الآن بعد ٢٣ عاما أن كل ما أنا عليه اليوم بدأ في تلك الليالي، لذلك عدت لأكتشف كيف بدأ كل شيء؟  وكأنني دخلت لبلّورة زجاجية تعزلني عن العالم وكل محاولاتي للخروج منها باءت بالفشل، لم أعرف العالم الخارجي وأعتقدت بأنه لا يناسبني أبداً، بدأت أشعر بأنني لا أنتمي إليه، أود الخروج من نفس الباب الذي حمل خطاي للداخل، فهذه هي الطريقة الوحيدة هذا هو المخرج الوحيد فلا يوجد أن مخرج طوارئ أو مختصرات.

لسبب ما تعود اليوم صورة تلك الكنبة البيضاء التي تغطيها رسومات لأوراق شجر متفرقة، كانت تشكل زورق النجاة الوحيد، والجزيرة التي أسبح لشواطئها كل ليلة، كنت أستلقي بجانبها مستعينة بلحافي الذي يبتسم عليه ميكي ماوس أتخيل أنني في الصحراء أقضي ليلتي داخل خيمة صغيرة، ويا للعجب أنام داخلها بإحساس مفعم بالأمان، وفي بعض منحنيات خيالاتي تتحول وكأنها سرير معلق بين شجرتين على شاطئ بعيد تتمرجح فوقه كل أفكاري، ومرة أجلس عليها بكل كبرياء الدنيا وكأنني ملكة تنظر لحاشيتها التي تحاول كسب رضاها، غير أن حاشيتي ليست أكثر من بقعة ضوء وذرات غبار تتطاير حولي، وفي بعض الأحيان أجلس لأكتب قصصا طويلة، أشاهد شخصياتها أمام عيني، البطلة هي أناي المتخيّلة في عالم موازي أكون به كل شيء أحلم به، بيد أن هذه الكنبة قد تخذلني في أوقات أخرى لتكون بكل بساطة مسندا لظهري، وهذه الأيام هي الأسوأ لأنها تعني أن خيالي لم يعد يقوى على حملي بعيدا عن الواقع. أتذكر ذلك الثقب في الكنبة الذي أبقى أنقب داخله كل ليلة حتى استيقظت على حقيقة أنه تحول لحفرة حقيقة يمكن أن أزرع بها شكوكي تجاه الحياة بسهولة.

بدأت بجمع اللوحات والأعمال الفنيّة التي لفتت نظري وكانت تعبر عن الأرق في حسابي على موقع Pinterest  هنا
لقراءة الجزء الأول من هنا: حينما يكون السؤال جوابًا: إلى أين أتجه؟
  يتبع ….

You Might Also Like

No Comments

Leave a Reply